محمد عزة دروزة

47

التفسير الحديث

دلالة تعبير حنفاء للَّه في هذا المقام وورود تعبير * ( حُنَفاءَ لِلَّه ) * في هذه المناسبة قرينة قد تكون حاسمة على أن تعبيري حَنِيفاً و * ( حُنَفاءَ ) * ليسا كما وهم المستشرقون بمعنى نحلة معينة خاصة قبل البعثة على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة يونس ، وإنما هما تعبيران لغويان بمعنى الميل عن الشرك والوثنية إلى اللَّه . لأن * ( حُنَفاءَ ) * هنا أطلقت على المسلمين أو حثتهم على التمسك بكل مظاهر التوحيد وعدم الانحراف عنها إلى أي مظهر من مظاهر الشرك . ذلِكَ ومَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّه فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ‹ 32 › لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ‹ 33 › . « 1 » محلَّها : المكان الذي يحلّ فيه نحرها وهو الكعبة التي عبر عنها بتعبير * ( الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) * . قال المفسرون ( 1 ) في صدد كلمة * ( شَعائِرَ ) * استنادا إلى الروايات واستلهاما من القرينة التي احتوتها الآية الثانية : إن العرب كانوا يجرحون بهيمة الأنعام التي يسوقونها هديا إلى الحجّ لتكون قربانا جرحا خفيفا ، فيسيل دمها ويكون ذلك علامة على أنها قد خصصت قربانا فيتحاشاها الناس . وإنهم كانوا يسمّون هذه العملية ( إشعارا ) و ( شعيرة ) ويسمّون الأنعام المعلَّمة بهذه العلامة ( شعائر ) . ورووا عن أصحاب رسول اللَّه وتابعيهم في تأويل * ( ومَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّه فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) * أن تعظيمها هو استسمانها واختيار الصالح السليم دون الهزيل والمشوّه ( 2 ) . ورووا في هذا المعنى أحاديث عديدة ، ففي تفسير ابن كثير رواية

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي والخازن وابن كثير . ( 2 ) انظر الطبري وابن كثير والبغوي وغيرهم .